السيد كمال الحيدري
40
التوحيد عند الشيخ ابن تيميه
وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ( الكهف : 103 - 104 ) . والملفت أنّ الآية أشارت إلى الأخسرين في العمل ، لأنّ العقيدة كانت باطلة ، والتوحيد كان مختلًّا ، وهل تنفع الصلاة أو الصوم في مثل ذلك ؟ فدعوتنا تتمثّل في ضرورة جعل الأساس في هذا الدِّين ونظامه معرفة الله تعالى ، كما قال الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( ع ) : « أوّل الدِّين معرفته ، وكمال معرفته التصديق به ، وكمال التصديق به توحيده » « 1 » ) . فمن هنا ينبغي أن يبدأ الإنسان ، وكلّ ما عدا ذلك يتفرّع عن هذا الأصل ، ولذا قال الله تعالى في محكم كتابه : وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً ( الفرقان : 23 ) . فهذا العمل لم يكن باطلًا في أساسه لأنّه عبارة عن صلاة وصوم وعبادة في ظاهرها تامّة الشروط ، ولكن مثل هؤلاء بنوا أعمالهم على أساس ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ ( الأنعام : 91 ، والحجّ : 74 ، والزمر : 67 ) وما عرفوا الله حقّ معرفته ، فقالوا مثل قول البعض : وجه لا كالوجوه ، وجالس ، ومستقرّ ، وشاب أمرد ، وله يدٌ وقدَم . . وما شاكل ذلك ، ولكنّهم حتّى يتخلّصوا من مشكلة التجسيم والتشبيه قالوا : ( لا كالوجوه ، ولا كالأيدي ، ولا . . . ) . ومن هنا نجد أنّ الكثير من العلماء في مدرسة الصحابة استنكروا هذه الأقوال - كما سيأتي - واعتبروا أنّ فيها تهافتاً . ومرتكزات مدرسة أئمّة أهل البيت ( ع ) قامت على أساس أنّ الأصل هو المعرفة وليس العبادة ، وليس كما يتوهّم البعض أنّه ورد في القرآن الكريم : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ( الذاريات : 56 ) لأنّه يقول في آية أخرى : وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ ( الحجر : 99 ) فغاية العبادة هي اليقين
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة الأُولى .